التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إدارة الذاكرة

أحيانا تكون الذاكرة ملاذا للإنسان كي يتخلص من أوجاع اللحظة الراهنة ومن سخف بعض الجزئيات التي تعبر به في الحياة اليومية، لكن نفسها الذاكرة أحيانا تصبح نوعا من العبء الثقيل الذي يكون الإنسان مجبرا على التعايش معه، لأنها تشير إلى المناطق الأكثر سوءا في حياة الفرد وبالتالي تصبح مؤلمة وقاسية وتصنع الجراح بدلا من الفرح.


إن الذاكرة هي بيت الإنسان الذي يسكنه في الواقع، هي واقعه وخيالاته ومسار حياته ومنعطفاته في كل محطة من محطات الوجود، وهي الرغبة في الحياة بمثلما هي الشرود والانكفاء وعشق الموت. وهي الإنسان في طبقات الوعي واللاوعي، وهي الظنون بمثلما هي الحقائق الدامغة.
نقبض على الذاكرة أحيانا في زمن قديم، نسميه كذلك رغم حضوره الباهي في الآن، في العقل وفي محيط المتشكل في وعينا. لنرى كيف كنا وكيف أصبحنا، نتجول في مساحات العبور وفي الآمال والحكايات، ثم نبدأ في الأسئلة من سنكون؟ وما هو شكل العلاقة التي تربطنا بذواتنا في الواقع لتحقيق ذلك الهدف. ففي الذاكرة بمثلما تسكن الأسئلة تعيش الإجابات، فهي بيت المعرفة والجهل معا.
ليس الكائن البشري إلا ذاكرة متحركة، تتجمع فيها كل تلك الأيام والسنوات والمشاهد والصور والأحاسيس والأحلام والكوابيس واليقظات والمسافات التي يمشيها المرء في الشوارع والأزقة وفي أسطح البيوت وهو يبحث عن فكرة أو معاشا أو انغسالا من صدأ الوجود. والإنسان العاقل هو تلك الذاكرة التي تتكيف وفق الراهن، وليس وفق الأمس. لأن الذاكرة في حقيقتها متغيرة وغير ثابتة. وهي تمتلئ بقدر ما تفيض بما يكون حاضرا في الوقت وليس بما حضر في الأمس البعيد أو القريب. وهذا ربما يجعلها في بعض الأحيان محضّ اختراع وليس شيئا ملموسا يمكن القبض عليه.
يقال إن الإنسان يتشكل في طفولته، وأن ذاكرة الطفولة هي المركز الذي ينطلق منه عالم المرء ومستقبله، وكأن الغد حاضر في الأمس، يقول ذلك بعض من الكتّاب والمفكرين والمبدعين ويرون أن الطفولة هي التي ينطوي فيها عالم الغيب، ويشيرون بهذا إلى ما يشبه ما صاغته نظريات علم النفس في أن معتركات الطفل والشرور التي تعرض لها كما الأفراح هي التي تجعله يصبح ذلك الكائن المفترض. سواء أصبح شخصا أخلاقيا وناجحا بتقدير المجتمع وفق أنساقه في تقسيم الحظوات أو أنه أصبح سوى ذلك من الخيبات والظنون.
ثمة من يرى الذاكرة في حدود المعطى المتعلق بتخزين المعلومات والصور والأفكار وغيرها ثم إعادة استرجاعها، لكن حقيقة الذاكرة في العقل البشري هي أعقد من ذلك والمختصون يعرفون ذلك بشكل أوضح، فالذاكرة هي أمر معقد، وهي اشتغال كلي تتداخل فيه مساحات ما كان مع ما سيكون، وهي ليست الماضي بقدر ما هي المستقبل. نعم هذا صحيح ولكن ليس بالطريقة المبسطة المطروقة أعلاه التي تشير إلى أن سر الكائن يكمن في طفولته.
في مثال آخر يتعلق بالطبيعة، بالأشجار والثمار، نجد أن البذرة ومنذ طفولتها تحمل في خواصها الشجرة، وساعة تزرع في الأرض ثم تبدأ في النمو، تكون حاملة لذاكرة كونية ومتوارثة عبر الأبد، في أن تكون شجرة بل شجرة ومعينة، إنها الفطرة الكونية العجيبة التي هي جزء من معجزات هذا الوجود. ليس لبذرة الليمون أن تعطي شجرة تفاح والعكس صحيح. إنها ذاكرة تلك البذرة ليس بإمكانها أن تفكر بسوى ما تحمل في خصائصها الأبدية.
وإذا كان البشر هم ذاكرة، فالشعوب والأمم والحضارات والدول هي كذلك، هي المجموع وهي تشتغل في الذاكرة على المسارات المكتسبة والقائمة عبر القرون الطويلة، ولكن مع الانتباه إلى ما أدرج بشأن الذاكرة في كونها ليس مجرد تخزين واسترجاع بل هي تفاعل مستمر ومعقد مع الحياة في كافة طبقات الزمن الأرضي وما فوقه من عوالم غير مرئية في الزمن الذي تختزنه الأحلام والتطلعات واليقظة الإنسانية وهي تأمل في أن ترى عالما أفضل.
وهنا يكون الفرق بين إنسان وآخر. بين شعب وآخر. بين المنكفئ والمتقوقع وضده، ذلك الكائن الذي يدرب ذاكرته على المعطيات الإيجابية لينهض بها إلى تشكيل رؤى أفضل لمستقبله وصياغة حياة جديدة متحررا من أثقال الأمس. إنه يعمل على إعادة إنتاج الذاكرة لتكون في محور زمانها وحضورها وليس في محيط الأمس السحيق، يحررها لتكون رافدا للقوة والديمومة والاستمرار والتلقي الإيجابي عن العالم المنتفح لتقدم وتطور وتبدع وليس أن تصبح عالة على الإنسان وتجعله جريحا ومريضا وغير منعتق.
ولهذا فكم من البشر عطلوا ذاكرتهم وأغلقوها ولم يوظفوا المساحات المضيئة منها، بل بدلا من ذلك سارعوا إلى إطفاء المضيء وتشغيل المظلم. ليست هي النظرة التشاؤمية للعالم فحسب ما يفسر ذلك الخلل، بل هي الذات التي لا تتقاطع مع السؤال والحياة التي يفترض أن تكون، فالذات الجديدة هي متصالحة مع الاطلاق لا المحدود، هي راغبة في السمو لا الحضيض، هي منطلقة وعارفة وتؤانس الوجود بشكل حالم، ومن هذا الحلم الذي قد يبدو مثاليا في البداية وغير مؤسس له، تنطلق المعاني ويكون للحياة أن تلبس مساحة زاهرة من الآمال ليكون الإنسان ابن تفرده وبهائه وعصره المقبل لا منتهي الصلاحية. وكم من البشر يعيشون على الذاكرة المتكلسة، وينشغلون بالألم المستفحل، لا يغادرون تلك اللحظة إلى تلمس ما وراء الذاكرة من لحظات يمكن أن تصنع عالما آخر يكون جميلا بالفعل.
حياة الإنسان ليست نزهة تماما كما الحرب، وهي ليست ممرا سهلا، ولكنها كذلك ليست ذاكرة متراكمة من السوء والمآلات القاسية والروع، إنها اختيار الذات في اللحظة التي تقرر أن تكون. إن الإنسان هو أبرع الكائنات في التحرر والانعتاق والتثوير، وهو الذي يعرف كيف يغير العالم إن رغب لكن ذلك لا يأتي بالتعايش مع النواميس نفسها من الوعي المكتسب، أي الذاكرة المفروضة بفعل العوامل الخارجية، إن ذاكرة الإنسان هي صناعته هو، وكذا ذاكرة الشعوب، وهنا يكون الاختيار بأن تطوع ذاكرتك وتجعلها حاضرة وجديدة وذكية ومشرئبة لعوالم غير المألوف بأن تتذرع بالشجاعة والتحدي والأمل، أو تختار العكس بأن تكون عائشا في تلافيف تلك الذاكرة التي لا تغادر محطتها، تلك التي تدور في أفلاك ماضيها دون أن تحرك هذا الماضي وتعمل على إعادة ترتيبه، لتبدع ذاكرة جديدة للوقائع والأشياء. إن التحرر والتفكيك ورفض الثابت في التعامل مع الذاكرة، يتلخص فيما يسمى بالإبداع أو الفن أو المهارة الفائقة وهي التي تلك الذاكرة التي تصنع العالم في حقيقته لا في صوره الظاهرية الثابتة. إن الحياة هي مغامرة ذاكرة تنعتق عن تلابيب أمسها وعن ما تكلس عبر السنوات لتكون ذاكرة جديدة "لنج".


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل نضب الخيال؟

إشكاليات الذائقة الفنية والتلقي الجمالي عند العرب عماد البليك: منذ أن قدم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أطروحته الجمالية حول "الخيال الشعري عند العرب" وخلص إلى أن الأدب العربي لا ينظر إلى المستقبل ولا ينفذ إلى صميم الأشياء وأنه "كلمة ساذجة" فإن الموقف لا يغادر موقعه، فالإشكاليات لاتزال قائمة إلى اليوم، والبحث عن تحرير الخيال لا يزال معطلا، كما أن الذائقة الفنية والجمالية تقاوم معوقات متجذرة يبدو الفكاك منها صعبا رغم الانفتاح الذي أتاحته الوسائط الحديثة للتلقي والمعرفة.  وإذا كانت مائة سنة تكاد تفصلنا، عن أطروحة الشابي، أي ما يقارب القرن، فالسؤال القائم ما السبب الذي عطّل مشروع الإنتاج والتلقي الجمالي عند العرب، ولماذا هم إلى اليوم يتعاملون مع العالم على أنه أقرب إلى المسطحات والثنائيات منه إلى شيء عميق له أبعاد متعددة وأوجه متنوعة، وهذا ينطبق على الممارسة الفنية كما ينجر بدرجة أوضح على استقبال الرسائل الجمالية أو الفنية، سواء أنتجت في محيط عربي أو عالمي. كانت فكرة أبوالقاسم الشابي تقوم على الخلاصة التالية: "قد انتهي بي البحث في الأدب...

حوار عماد البليك في مجموعة "يلا نقرأ سودان"

رتب للحوار وأعده وأجراه بشكل رئيسي جعفر عبد الله جعفر جعفر عبدو: الاسم بالكامل، تاريخ الميلاد، المراحل التعليمية، الإقامة الحالية، الحالة الاجتماعية . عماد البليك: شكرا الاخ جعفر على الدعوة لهذا الحوار، اسمي عماد الدين عبد الله محمد، البليك هو لقب جدي محمد، درست مراحلي الاولى في بربر بنهر النيل والجامعة بالخرطوم، كلية الهندسية معمار، اقيم حاليا في مسقط بسلطنة عمان، متزوج واب لطفلين مهيد 5 ومهيار 9 زوجتي ام سلمة عبد المنعم ابوسبعة. جعفر: لماذا اخترت الكتابة والعمل الصحفي رغم دراسة الهندسة؟ عماد البليك: خيار مبكر، رغم انني كنت احب الفنون والرسم وامتحنت مادتها في الثانوية، لم اكره المعمار وما زلت احبه لكن في اطاره النظري، بالنسبة لي نما حب الكتابة وتعلقي بالصحافة معضدا بسنوات الجامعة، حيث كان يومي ينقسم بين المدرج ومكتب الصحيفة، وهكذا وجدت انني صحفي.. ان هذا ما يمكن لي ان انجح فيه. فالحياة لا تحتمل مسارات متعددة. وقد كان للكتابة ان تأخذني وتتكامل مع الصحافة واستفدت من ذلك كثيرا في تجربتي الابداعية. جعفر: ما هي اول رواية قمت بكتابتها؟ عماد البليك: رواية اسمها الحصاد و...

رواية جديدة.. تُعيد تفكيك أيقونة الطيب صالح في «موسم الهجرة»

صلاح القرني في مغامرة أدبية جديدة تتقاطع فيها الهوية بالسياسة، والماضي بالحاضر، والأدب بالفلسفة، صدرت حديثًا عن منشورات «إبييدي» في مصرـ رواية «البحث عن مصطفى سعيد» للكاتب السوداني عماد البليك، في طبعتها الأولى لعام 2025، تحاول الرواية الغوص في أثر شخصية مصطفى سعيد – البطل المحوري لرواية الطيب صالح الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال» – لكن ليس بإعادة كتابة النص، بل بتأمل الظلال التي خلّفها، ورصد ما إذا كان لهذه الشخصية أن تُبعث من جديد في زمن يتفجر فيه السودان على أكثر من مستوى. السرد بوصفه بحثًا يقوم العمل على بنية سردية تأملية تعتمد على راوٍ يُدعى «محمود»، ينتمي لجيل مغاير عن جيل مصطفى سعيد. محمود شخصية مهزوزة، حائرة بين انتماءاتها الفكرية وعلاقاتها العاطفية، لكنها تعود في كل لحظة إلى تلك الصورة التي شكّلتها شخصية مصطفى سعيد في اللاوعي الجمعي السوداني. يبدأ الراوي بطرح سؤال وجودي: «هل كان مصطفى سعيد حقيقيًّا؟ وإن كان، فماذا تبقى منه فينا اليوم؟» من هذه النقطة، تنفتح الرواية على مسار من البحث المعنوي والفلسفي، في محاولة لفهم التحولات الكبرى التي مرّ بها السودان منذ استقلاله وحتى الحرب ال...