التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

نوستالجيا المثقف!

كثيرا ما نردد كلمة نوستالجيا وفي مواقف عديدة، وهنا أتحدث عنها في إطار الثقافة والمثقف، وقبل ذلك أتوقف عند معنى الكلمة أو دلالتها التأسيسية حيث أن النوستالجيا في اليونانية القديمة تعني الشوق والألم، فهو نوع من الاشتياق والتذكر والوله المشوب بالحنين وإن كان مؤلما في الوقت نفسه، وهو "ألم الجهل" لأن الذات ما زالت غارقة في الماضي والأمس لم تصل بعد إلى مساحة جديدة حقيقية، حتى لو أنها في تمظهراتها تقول غير ذلك، لأن الأساس والجوهر القديم ما زال باقيا ومتجذرا. وغالبا ما يستخدم اصطلاح النوستالجيا في معناه العملي والمباشر لوصف الحنين إلى الماضي، عند من يعاني ذلك "المرض" بحيث يكون لديه هوسا أو نوع من المعاناة النفسية وحيث يظن أنه لن يستطيع أن يعود إلى بيته ودياره التي غادرها أو أنه سيظل يعيش اكتئابا كبيرا جدا لا يقدر على الانفكاك منه أبدا. كما توصف النوستالجيا على أنها حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب خاصة إذا أصبحت ملحة ومتكررة بحيث تشكل عمى للذات عن رؤية المستقبل والتبصر الأفضل للحياة بحيث تعيق الإنسان عن الفعل الفاعل والإرادة السوية التي تصنع الجديد وتنشد المبتكر ...

ترويض الفيلة

تُعلمنا الفلسفة أن التفاصيل المهملة قد تكون لها قوة وقدرة جارفة بل أنها قد تكون أهم بكثير من الكتل الكبيرة التي يظن الإنسان أنها هي الحقيقة والنهايات والبدايات.. وبالأحرى تعلمت من المفكر والفيلسوف الفرنسي "جيل دولوز" وأنا أتأمل تجارب "الثورات الجديدة" أعني خلاصات ما مر بالعالم العربي وفي اليونان وبعض دول شرق آسيا وأوكرانيا وفي نيويورك من حركات التغيير، التي جرت سريعا في السنوات الماضية وتتحرك إلى الآن بعض النظر عن النتائج.. تعلمت من ذلك قيما كثيرة لخصها دولوز في قوله: "إذا كانت القدرة تعني السيادة فإن الدولة هي التي ستكسب دائما.. أما إذا كانت القدرة تعني الابتكار وقلب الشفرات وإجراء عمليات الترحيل والتي تتم جميعها على المستوى الذري فإن الدولة هنا ستخسر لا محالة لأنه ليس بمقدورها مراقبة كل شيء.. كما أن قدرتها على الاحتواء محدودة". ويرى دولوز أن هناك مجالين في الفيزياء المعاصرة هما: المجال الكتلي والذري.. ويقابلهما بالمجتمع.. أو السياق الاجتماعي أيضا ذات المجالين، حيث الكتل هي التي تسعى لصياغات شاملة مشفوعة بالهيمنة وآلة الحرب الضخمة، بينما الذراري هي ...

April Uprising in review

Emad Al Blake The anniversary of the April 1985 uprising passed silently. It was marginalized and forgotten. It seems as if an alienated memory is trying to say that history has been deviated from its path or disoriented. Is it a revolution or an uprising? Or is it simply one of the curses that passed in the modern history of Sudan as tens of events thought to be central and efficient in deciding the future of the Nation, but finished to the nothingness, to throw us once again in the initial point? We must simply remember that a proper review should take place after quite a reasonable time in order to be able to see the impact of the events. Did we enter in a new phase or is History is just reproducing itself in the same way. I think that this is our reality, and maybe worse… For half a century, Sudanese are judging two events as milestones and historical, the revolution of 21 October 1964 and the uprising of 6 Avril 1985. The two events symbolize the idea of change and the cap...

معان لفلسفة السعادة !

يذهب مفكر الثورة الفرنسية «روسو» إلى أن السعادة تعني إشباع مختلف الحاجات، محددا إياها في حساب جيد في البنك وطعام مطهي جيدا وهضم جيد. قد تكون هذه الصورة الأبسط للسعادة وهي تتعلق بالمعاش اليومي والاحتياجات الضرورية ومعنى الإنسان المادي البحت، لاسيما في ظل الحياة التي بات طابعها الاستهلاك وتكاد قد تلاشت فيها أنظمة المجتمع القديم الذي أبرز سماته التوازن الذي تخلقه طبقة وسطى هي الغالب الأعم لهذا البناء الاجتماعي. لكن من العبط أن نفهم السعادة في هذا المعنى المباشر والمادي البحت، إذ أن هناك ما هو أعمق كما يقول الخبير العالمي «داينز» المهتم بفكر السعادة، الذي يذهب إلى أن السعادة تعني مواجهة التحديات بأقصى حدود القدرة، ليكون ذلك مصدرا للشعور بالبهجة. في الفلسفة القديمة نجد أن «أرسطو» يقول لنا إن كل هدف لا يعد هدفا إلا بالغاية النهائية التي يسلم بها، بمعنى أن السعادة إذا كانت هدفا للإنسان، فإنها وعلى طريقة «داينز» ناقصة لأن الإنسان لم يصل للغاية النهائية، فهو طريق المواجهة، لم يحقق بعد نتائج هذه المواجهة، التي هي الانتصار، ولكن كيف ينتصر الإنسان وضد من؟ هذا هو مربط الفرس، الذي يقود لسؤال...

الشوفينية

يظهر الفرنسي نيكولاس شوفان أو شوفين، المولود سنة 1790م كصورة للجندي المغالي في وطنيته وبإفراط دون أن يكون له عقل يميز به بين حقائق الأمور، لأن غاية حبه مركبة على حب السيد نابليون بونابرت والعمل على خدمته وخدمة جيش الجمهورية الفرنسية، وإذا كان مصطلح "شوفيني" قد جاء من هذا الرجل الذي بات فيما بعد مثارا للسخرية اللاذعة بعد أن كان في البداية مضربا للمثل في التغني بحب الأوطان، فإن الشوفينية التي تقترن به، باتت اليوم عالما غائما يسيطر على مكامن الأزمات في العديد من الدول والمجتمعات حيث عمل على ميلاد أنماط من التفكير ذات المسار الأحادي التي تظن أنها دون غيرها التي تعرف حقيقة الوطنية وما سواها باطل ولا يفقه في ذلك شيئا. وإذا كان نيكولاس مضحيا، حيث يقال إنه جرح 17 مرة في معارك مختلفة أدت لتشويه جسده، إلا أن الشوفينيين الجدد ليس لديهم أدنى مغامرة أو تضحية مقابل إيمانهم المشوه بمعنى الوطنية وإصرارهم على الخط الأحادي في فرض الرأي ومصادرة الحريات، وتحويل الجميع إلى أعداء لأنهم يخالفونهم الرأي. وتضحية هؤلاء تقتصر على الزج بآخرين في الجحيم والبقاء في موقف المتفرج الذي ينتظر أن ت...

التجربة الفنلندية

أحيانا يكون ممكنا القفز على الزمن والبداية بالنهايات، رغم أن هذه المسألة قد تكون محفوفة بالمخاطر إذا لم تأت بالدراسة الكافية والوجه السليم. وهنا سأعرض لنموذج جرى تداوله في الأيام الماضية عن قرار الإدارة التعليمية في فنلندا حول إدخال تعديل جذري في نظام تعليمها الأساسي يقوم على مفهوم التدريس اعتمادا على "موضوعات" بدلا عن "مواد دراسية". يعني ذلك ببساطة إلغاء التقسيم الكلاسيكي للمواد الدراسية، كحساب ولغة وعلوم وجغرافيا وتاريخ وغيرها. والانتقال إلى تعاطي موضوعي يجعل التلميذ يتعامل مع موضوع أو قضية معينة ومن خلالها يتم التعرف على الكليات والأنساق المختلفة للمعرفة الإنسانية، ويذكرني ذلك بمنهج الجغرافية القديم الذي كان يقوم على زيارات افتراضية لأماكن مختلفة من السودان ومن خلال زيارة كل منطقة، يتم تعريف الطلبة على الحياة والعادات والثقافة والتقاليد والجغرافية وغيرها، وإن لم يكن ذلك المثال أو النموذج مكتملا بالمعنى الوافي. لكنه يقدم صورة أولية. حيث أن المقصود هو أعمق من ذلك. والنظرة الموضوعية إلى المعرفة أو التعليم بأخذ الشمول والرؤية الكلية للأشياء، باتت سمة من س...

في منهج بناء الشخصية

ما طرحته عن الشخصية السودانية وتنميطها الذي جعلها تُرى بصورة محددة لدى الشعوب الأخرى، بل وإلصاق بعض الصفات السالبة بها كالكسل مثلا أو اللامبالاة وغيره. وضرورة أن يهتم السوداني بإبراز قيمته الإيجابية وأولها من خلال الاهتمام بالمظهر باعتباره مدخلا للشخصية في حضارة المظهر والرأسمال، كل ذلك كسب تفاعلا في مواقع التواصل الاجتماعية، ما بين المؤيد والرافض. وإن كانت أغلب الآراء قد وافقت على الطرح من خلال ضرورة إعادة النظر في مرئي السوداني وتفاعله في محيط العمل وإبراز ذاته بالشكل اللائق في ظل التماشي مع ثقافة عصر لا فكاك منه، دون أن يعني ذلك تنازلا عن الأصالة أو اقتلاع الجذور، حيث يقال دائما أن الشجرة تبدل أوراقها لكن جذورها تبقى في باطن الأرض راسخة. إذن يمكن الاعتماد على الجوهر والمكنون الذاتي الثري والانطلاق منه نحو تأسيس الذات ليس بهدف إقناع الآخر وإنما بهدف التصالح النفسي أولا مع هذه الذات، هذا الأمر الذي يقود دون شك إلى أن يكون الكائن متصالحا مع العالم الخارجي ومستعدا لأن يصبح إيجابيا بإقصاء السلبيات أو الإشكاليات المتراكمة بحيث شكلت حجابا عن الشخصية في محورها الأكثر بهاء وإشراقا. فا...

الطريق إلى تعليم جديد

الحديث عن أزمة في التعليم، أو تطويره، أو النهوض به، هي قضية مستمرة لا ترتبط بسياق زمني، لاسيما في عصر يتسم بالتسارع في كل شيء، وحيث لا سبيل للاستثمار في المستقبل إلا عبر إعادة النظر في منظومات التربية والتعليم المتداخلتين. ومن ناحية مبدئية يجب أن نعيد تعريف التعليم في ظل علاقته بالمستقبل، على أنه استثمار في الإنسان، لأن هدف التعليم وغايته هو الإنسان وعبره بالإمكان تذليل مشكلات الحياة والمضي نحو تحقيق الأحلام والطموحات. ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 دار جدل طويل حول ضرورة النظر في مناهج التعليم وفق طموح غربي، أمريكي تحديدا يسعى إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وفق المناظيم الحضارية "الأورأمريكية " التي نسجت أهدافها المركزية في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، في كبح التطرف والإرهاب وتهيئة المنطقة للديمقراطية وفق ذلك النموذج. بدا الأمر دعائيا ولم يمض إلى خطوات عملية في أغلب الدول، وارتبط الفشل في هذا المشروع بعدم الثقة في الأطروحات السياسية، ما يدلل على أن جوهر تطوير التعليم حتى لو في جزئية منه لا يتعلق بالمحور السياسي فحسب، الذي غالبا م...

الاستشراق مرة أخرى!

الاستشراق هو حكاية الشرق والغرب.. الشرق الغامض والغريب والملتبس والمؤسطر والغرب الرائع والجميل والشفاف والنظامي، هكذا يلخص المشهد.. أو هي حكاية الأنا والأنت.. حكاية المستعمرات التي حكمت العالم النامي لثلاثة قرون بدعوى تحرير الإنسان ونقله إلى عالم جديد وأفق الحضارة الإنسانية في الوقت الذي زرعت فيه جرثومة العذابات التي هي مستمرة إلى اليوم. لا يكاد أي جرح من جراح اليوم إلا وفيه بعض من تلك الحكاية/ الحكايات، شئنا أم أبينا.. وهذا ربما ما كشف عنه ادوارد سعيد في كتابة الهام "الاستشراق" الذي يمثل علامة فاصلة بين مرحلتين في المعرفة الاستشراقية، ما بين المعرفة الاستشراقية بوصفها شكلا من أشكال التحرير الإنساني، وبين كونها شكلا من أشكال الهيمنة التي تصاغ بقالب المعرفة والعلوم. يأخذنا سعيد من خلال الحملة الفرنسية إلى مصر وسيرة نابليون بونابربت إلى البداية التي من خلالها يعمل على تشكيل رؤيته المختلفة لفكر الاستشراق وكيف يسوق من المعارف ومعرفة الآخر وفهمه بداية لتشكيل أنساق الهيمنة والسيطرة والتحكم، وبغض النظر عن المقدمات فإن النتائج التي أبدعها الفكر الاستشراقي عملت في نهاية ال...