التخطي إلى المحتوى الرئيسي

معان لفلسفة السعادة !

يذهب مفكر الثورة الفرنسية «روسو» إلى أن السعادة تعني إشباع مختلف الحاجات، محددا إياها في حساب جيد في البنك وطعام مطهي جيدا وهضم جيد. قد تكون هذه الصورة الأبسط للسعادة وهي تتعلق بالمعاش اليومي والاحتياجات الضرورية ومعنى الإنسان المادي البحت، لاسيما في ظل الحياة التي بات طابعها الاستهلاك وتكاد قد تلاشت فيها أنظمة المجتمع القديم الذي أبرز سماته التوازن الذي تخلقه طبقة وسطى هي الغالب الأعم لهذا البناء الاجتماعي.
لكن من العبط أن نفهم السعادة في هذا المعنى المباشر والمادي البحت، إذ أن هناك ما هو أعمق كما يقول الخبير العالمي «داينز» المهتم بفكر السعادة، الذي يذهب إلى أن السعادة تعني مواجهة التحديات بأقصى حدود القدرة، ليكون ذلك مصدرا للشعور بالبهجة.
في الفلسفة القديمة نجد أن «أرسطو» يقول لنا إن كل هدف لا يعد هدفا إلا بالغاية النهائية التي يسلم بها، بمعنى أن السعادة إذا كانت هدفا للإنسان، فإنها وعلى طريقة «داينز» ناقصة لأن الإنسان لم يصل للغاية النهائية، فهو طريق المواجهة، لم يحقق بعد نتائج هذه المواجهة، التي هي الانتصار، ولكن كيف ينتصر الإنسان وضد من؟ هذا هو مربط الفرس، الذي يقود لسؤال أبجدي حول صراعنا في الحياة، إلى ماذا يقودنا، وهل نديره ضد ذواتنا، أم ضد الآخر؟
غالبا تظل الأسئلة الفلسفية، والمتعلق منها بالوجود الإنساني بلا إجابات، حيث تتحول محاولة الجواب عنها الى نوع من الحوار والجدل الذي يعمل فقط على تحريك الذهن نحو أن يفهم، لكنه لن يفهم، وهذه واحدة من حكم الحياة في أن الإنسان يفكر ويقلق، ويحاول، وتظل دائما هناك مساحات واسعة لإنتاج الجديد والابتكار.
وفي سبيل أن نوجد الحكمة النهائية، تسقط أفكار، وتنمو أفكار جديدة، تقوم أيدلوجيات وتهبط أخرى، وبين عمليتي الصعود والهبوط يكون التحدي أمام الإنسان قائما بأن يتعايش مع واقعه، مهما كانت الظروف التي تحيط به، ومهما كان حجم القلق الذي يعانيه.
يذهب بعض الفلاسفة إلى أن الأشخاص الأقل معنى للحياة هم الأقل سعادة، أي أنه كلما زاد ارتباط الإنسان بهذا القلق المثير، كان سعيدا، وقد يبدو هذا الكلام مغلوطا لدى البعض، عندما يفسرون جوهر الراحة النفسية والسعادة في التزام البساطة والبعد عن التفكير في الوجود والفلسفة.
وثمة من يرى أن أزمة المفكرين والفلاسفة أنهم يحاولون أن يجعلوا من أنفسهم محورا للوجود، وأن كل ما يعتقدونه صحيح، وما سواه خاطىء، وهذا يحول من العمل الفكري والفلسفي حتى لو كان عميقا لموقف وجودي مضخم بالأنا، مما يخلق نوعا من الرفض ضده.
نعود للخبير «داينز» الذي بقدر ما ربط مفهوم السعادة بموضوع التحديات، إلا أنه رجع مرة أخرى ليضع للسعادة أبعادا مادية مثل «القدرة على النمو المريح» و«ممارسة الرياضة العادية»، بين المادي والمعنوي، تتراوح الأفكار تجاه أن نكون سعداء، أو بؤساء، لكن الجوهر النهائي أن كلا يكتشف الحياة بقدر تجربته، وعلى طريقته الخاصة
***
ونحن اطفال لم نتمالك بعد جرأة تحدي الحياة، حكموا علينا بأن نقرأ لإيليا أبي ماضي وهو يحاول ان يكوِّن مفهوما للسعادة تلك الكلمة المجهولة والتي ينشد كل منا ان يفوز بها، حيث يعتقد ابو ماضي ان السعادة قد تستوطن كوخا صغيرا يخلو من الخبز في الوقت الذي تخلو فيه القصور الشامخات منها، وانها اذا مست حصاة صقلت هذه الحصاة وحولتها لدرة ثمينة، وذات الفلسفة يعكسها في قولته المعروفة:
والذي نفسه بغير جمال
لا يرى في الوجود شيئا جميلا
كذلك ونحن اطفال ايضا شحنونا بأن نتغلف بكلمة الحرية عندما حكموا علينا بأن نقرأ لأبي القاسم الشابي وهو يغني للحياة او الحرية ويحدثنا رغم ذلك بأن المنتصر هو القوي في خلاصة حكمته، حين يقول:
لا رأي للحق الضعيف ولا صدى
والرأي رأي القاهر الغلاب
ونحن اطفال، ايضا.. وايضا حكموا علينا بأن نقترب من الكثير من المعاني التي كنا نعيشها اطفالا وصبيانا، وعندما عرفنا الحياة بعد ان بلغنا الحلم فقدنا كل هذه المعاني، فقد تحولت السعادة في قواميس حياتنا ورغم أنوفنا، إلى قصر شامخ معبأ بالحلوى وصار الذي نفسه قبيحة يرى الوجود أجمل من الذين نفوسهم رائعة  بالفعل، وتبخرت كلمة الحرية من مفرداتنا بل صارت الحرية والحياة كلمتين متباعدتين لا يقتربان من بعضهما البعض ابدا.
نعم قرأنا عن السعادة والحرية وعزة النفس ونحن ما نزال صغارا لم نعبأ بفكرة الحلم، لكن قراءتنا جاءت في ساعة لم نعرف فيها بعد ان ذلك المدرس الذي يقف امامنا في الفصل يحاول ان يشرح لنا معنى السعادة وهو يعيش الفقر والتعاسة والشقاء، وانه يحاول ان يقرب إلينا معنى الحرية وهو مقيد بلا إرادة ذاتية يحلم بالانطلاق كالعصافير.
واذا ما طبقنا قاعدة ابوماضي في معنى الجمال فقد كان مدرسنا يرانا محاطين بالقبح والشؤم والتعاسة لأنه لن يرانا على غير ما هو عليه، ولهذا مهما حاول لن يستطيع ان يغرس في ذواتنا معنى ان نكون سعداء واحرارا.
كيف نكون كذلك وقد دخلنا الحياة بغير ابوابها، كنا لصوصا ضد فكرة المعتاد قفزنا فوق اسوار الظلمات والظلم لنكون لكننا عجزنا وكان عجزنا امتدادا لما حولنا من اسى وظنون، ورغبة مقتولة لا تعرف الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه قاعدة ابجدية تعلمناها منذ الصغر ومدرسنا لايمكن ان يمنحنا ما عجز عنه.
ان المعلمين جسور تعبر فوقها الاجيال فاذا كانت جسورا هشة سقطت ووقع الجيل في النهر غريقا لأن اجيالنا للأسف لا تعرف ان تسبح ضد التيار او معه!
***
وهذا يشير إلى أنه سواء تعلق الموضوع بفكر السعادة أو الحرية أو إدراك الجمال أو أي معنى إيجابي كان في الحياة، فثمة معلم أو قدوة أو رافد خارجي نستهلم منه وهو أشبه بالماء الصافي الذي تشربه فيجعل جسمك صحيا ومعافى، وإذا حدث العكس أن شربت ماء ملوثا فسوف تصل إلى النهاية إن لم تعش متخثرا. وهكذا هي المجتمعات في صناعة فنون الوعي بهذه الأمور الحيوية، فالسعادة لم تعد مجرد انتظار بل كفاح حقيقي وقصة إلهام يقود إلى العمل والإصرار ويشحذ بالعزائم، وليس مجرد انتظار وتوكل كما يقال لأن المتوكل الصحيح يكون إنسانا قد فلح الأرض وبذر البذر في انتظار المطر، بل أن العلوم الأكثر حداثة تقوم على التحكم حتى في كيمياء المطر نفسها. فالفرص هي صناعة البشر أنفسهم وليس هبات من المجهول. لهذا فتحرير الذات لكي تعرف المعاني السامية هو أول الطريق نحو اكتشاف المعنى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل نضب الخيال؟

إشكاليات الذائقة الفنية والتلقي الجمالي عند العرب عماد البليك: منذ أن قدم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أطروحته الجمالية حول "الخيال الشعري عند العرب" وخلص إلى أن الأدب العربي لا ينظر إلى المستقبل ولا ينفذ إلى صميم الأشياء وأنه "كلمة ساذجة" فإن الموقف لا يغادر موقعه، فالإشكاليات لاتزال قائمة إلى اليوم، والبحث عن تحرير الخيال لا يزال معطلا، كما أن الذائقة الفنية والجمالية تقاوم معوقات متجذرة يبدو الفكاك منها صعبا رغم الانفتاح الذي أتاحته الوسائط الحديثة للتلقي والمعرفة.  وإذا كانت مائة سنة تكاد تفصلنا، عن أطروحة الشابي، أي ما يقارب القرن، فالسؤال القائم ما السبب الذي عطّل مشروع الإنتاج والتلقي الجمالي عند العرب، ولماذا هم إلى اليوم يتعاملون مع العالم على أنه أقرب إلى المسطحات والثنائيات منه إلى شيء عميق له أبعاد متعددة وأوجه متنوعة، وهذا ينطبق على الممارسة الفنية كما ينجر بدرجة أوضح على استقبال الرسائل الجمالية أو الفنية، سواء أنتجت في محيط عربي أو عالمي. كانت فكرة أبوالقاسم الشابي تقوم على الخلاصة التالية: "قد انتهي بي البحث في الأدب...

حوار عماد البليك في مجموعة "يلا نقرأ سودان"

رتب للحوار وأعده وأجراه بشكل رئيسي جعفر عبد الله جعفر جعفر عبدو: الاسم بالكامل، تاريخ الميلاد، المراحل التعليمية، الإقامة الحالية، الحالة الاجتماعية . عماد البليك: شكرا الاخ جعفر على الدعوة لهذا الحوار، اسمي عماد الدين عبد الله محمد، البليك هو لقب جدي محمد، درست مراحلي الاولى في بربر بنهر النيل والجامعة بالخرطوم، كلية الهندسية معمار، اقيم حاليا في مسقط بسلطنة عمان، متزوج واب لطفلين مهيد 5 ومهيار 9 زوجتي ام سلمة عبد المنعم ابوسبعة. جعفر: لماذا اخترت الكتابة والعمل الصحفي رغم دراسة الهندسة؟ عماد البليك: خيار مبكر، رغم انني كنت احب الفنون والرسم وامتحنت مادتها في الثانوية، لم اكره المعمار وما زلت احبه لكن في اطاره النظري، بالنسبة لي نما حب الكتابة وتعلقي بالصحافة معضدا بسنوات الجامعة، حيث كان يومي ينقسم بين المدرج ومكتب الصحيفة، وهكذا وجدت انني صحفي.. ان هذا ما يمكن لي ان انجح فيه. فالحياة لا تحتمل مسارات متعددة. وقد كان للكتابة ان تأخذني وتتكامل مع الصحافة واستفدت من ذلك كثيرا في تجربتي الابداعية. جعفر: ما هي اول رواية قمت بكتابتها؟ عماد البليك: رواية اسمها الحصاد و...

رواية جديدة.. تُعيد تفكيك أيقونة الطيب صالح في «موسم الهجرة»

صلاح القرني في مغامرة أدبية جديدة تتقاطع فيها الهوية بالسياسة، والماضي بالحاضر، والأدب بالفلسفة، صدرت حديثًا عن منشورات «إبييدي» في مصرـ رواية «البحث عن مصطفى سعيد» للكاتب السوداني عماد البليك، في طبعتها الأولى لعام 2025، تحاول الرواية الغوص في أثر شخصية مصطفى سعيد – البطل المحوري لرواية الطيب صالح الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال» – لكن ليس بإعادة كتابة النص، بل بتأمل الظلال التي خلّفها، ورصد ما إذا كان لهذه الشخصية أن تُبعث من جديد في زمن يتفجر فيه السودان على أكثر من مستوى. السرد بوصفه بحثًا يقوم العمل على بنية سردية تأملية تعتمد على راوٍ يُدعى «محمود»، ينتمي لجيل مغاير عن جيل مصطفى سعيد. محمود شخصية مهزوزة، حائرة بين انتماءاتها الفكرية وعلاقاتها العاطفية، لكنها تعود في كل لحظة إلى تلك الصورة التي شكّلتها شخصية مصطفى سعيد في اللاوعي الجمعي السوداني. يبدأ الراوي بطرح سؤال وجودي: «هل كان مصطفى سعيد حقيقيًّا؟ وإن كان، فماذا تبقى منه فينا اليوم؟» من هذه النقطة، تنفتح الرواية على مسار من البحث المعنوي والفلسفي، في محاولة لفهم التحولات الكبرى التي مرّ بها السودان منذ استقلاله وحتى الحرب ال...